ابراهيم بن عمر البقاعي

301

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

أي الذين ظلموا عَلى بَعْضٍ أي بعد إيقافهم وتوبيخهم ، وعبر عن خصامهم تهكما بهم بقوله : يَتَساءَلُونَ * أي سؤال خصومة . ولما كان كأنه قيل : عما ذا ؟ أجيب بقوله : قالُوا أي الأتباع لرؤسائهم مشيرين بأداة الكون إلى المداومة على إضلالهم مؤكدين لأجل تكذيب الرؤساء لهم : إِنَّكُمْ كُنْتُمْ ولما كانوا يستغوونهم ويغرونهم بما تقبله عقولهم على ما جرت به عوائدهم بحيث يقطعون بذلك قطع من كان يريد الذهاب إلى أمر فتطير بالسانح والبارح ، فرأى ما يحب فأقدم عليه وهو قاطع بحصوله ، أشاروا إلى ذلك بقولهم : تَأْتُونَنا مجاوزين لنا عَنِ الْيَمِينِ * أي عن القوة والقهر والغلبة والسلطان في حملكم لنا على الضلال ، ففعلنا في طاعتكم فعل من خرج لحاجة ، فرأى ما أوجب إقدامه عليها ، فهذا كان سبب كفرنا ، وكان هذا التفاؤل مما نسيت العرب كيفيته لما نسخه الشرع كما وقع في الميسر ، فاضطرب كلام أهل اللغة في تفسيره ، قال صاحب القاموس : البارح من الصيد ما مر من ميامنك إلى مياسرك ، وسنح الظبي سنوحا ضد برح . وقال ابن القطاع في كتاب الأفعال : وسنح الشيء سنوحا : تيسر ، والطائر والظبي : جرى عن يمينك إلى يسارك وهو يتيمن به ، وقال في مادة « برح » : وبرح الطائر والظبي وغيرهما ضد سنح ، وهو ما أراك ميامنه ، وأهل الحجاز يتشاءمون به ، وغيرهم يتيمنون به ويتشاءمون بالسانح ، وقال ابن مكتوم في الجمع بين العباب والمحكم في مادة « برح » : والبارح خلاف السانح ، وقد برح الظبي - إذا والاك مياسره يمر من ميامنك إلى مياسرك ، والعرب يتطير بالبارح ، وفي مادة « سنح » : والسانح ما أتاك عن يمينك من ظبي أو طائر أو غير ذلك ، والبارح : ما أتاك من ذلك عن يسارك ، وقيل : السانح ما والاك ميامنه ، والبارح ما والاك مياسره ، وقيل ، السانح ما يجيء عن يمينك فتلي مياسره مياسرك ، والعرب تختلف في عيافة ذلك ، فمنهم من يتيمن بالسانح ويتشاءم بالبارح ، وعلى هذا المثل : من لي بالسانح بعد البارح ، قال في القاموس : أي بالمبارك بعد المشؤوم ، ومنهم من يتشاءم بالسانح ، وقال الإمام أبو عبد اللّه القزاز في مادة « سنح » : والسانح من الطير والظباء وغيرهما هو الذي يأتيك عن يمينك أخذا على يسارك ، فيوليك مياسره ، فيمكنك رميه ، وأكثر العرب يتيمن به ، وقال في مادة « برح » : والبارح من الطير والظبي هو خلاف السانح ، وهو الذي يلقاك وشمائله عن شمائلك ، وهو مما يتيمن به أهل العالية ، ويتشاءمون بالسانح ، والسانح هو الذي يلقاك وميامنه عن ميامنك ، وهو مما يتيمن به أهل نجد ويتشاءمون بالبارح ، والبارح أبين في التشاؤم به من السانح ، لأن البارح هو الذي يأخذ عن يسارك إلى يمينك فلا يمكنك طعنه ، فيتشاءم به لتعذره على الطاعن أو الرامي ، ولذلك قال أبو